ابني حب بنت

خرج أحمد وساب الشقة، وأخد أوضة إيجار قريبة من شغله، وقطع كل وسائل الاتصال بينا.. عمل لرقامنا ورسائلنا بلوك على كل حتة، وبقت محاولاتنا عشان نوصل له شبه مستحيلة.

الأيام مرت وتقلت علينا.. الصالة اللي كنا فاكرين إننا بنعلم فيها هاجر الأدب، بقت هي مصدر نكدنا. بنتي بقت تقعد في أوضتها بالساعات خايفة ومتوترة، حاسة بالذنب والكسرة، والكلية اللي كانت بتتفشخر بيها بقت حاسة إنها ملهاش قيمة بعد ما أخوها بقى يتهرب منها ولا يرضى يلمس مكالمة منها.

حاولت أراضيه بكل الطرق.. بقيت أستنى قصاد الشغل بتاعه بالساعات عشان بس ألمس إيده أو أخليه يبص في وشي، أجي أقف قدامه وأنا بدمع وأقوله:

“عشان خاطري يا أحمد، أنا أمك اللي ربتك وشقت عليك.. جلّ من لا يسهو، أنا كنت خايفة عليك وعلى مستقبلك، ارجع بيتك ويا سيدي تعال نروح نطلبها تاني وأنا ألمس جزمتها وجزمة أمها بس ترجعلي!”

لكن أحمد كان بيبص لي بجمود وعينيه محجرة، ويرد بنبرة جافة تقطع القلب:

“المرمى لما بيتكسر ما بيتصلحش يا أمي.. أنتِ ما خفتيش عليا، أنتِ خفتي على منظرك وجبروتك.. والست الشريفة وبنتها مش لعبة في إيدك وقت ما تعوزي تذليهم تذليهم، ووقت ما تعوزي ترضيني تروحي تطبطبي عليهم.. هاجر وأمها أنظف وأعلى بكتير من إنسانية بيتك، وسيبيني في حالي لو باقي عندك ذرة رحمة.”

كل محاولة كانت بترجعنا لنفس نقطة الصفر.. بنتي راحت له المكتب واترجته وهي بتبكي وتقول له: “يا أحمد أنا أختك الصغيره، غلطت واستقويت بس والله ما كنت فاهمة.. سامحني ويرجع البيت، بابا لو كان عايش ما كانش هيرضى باللي بيحصل ده!”

رد عليها بقسوة ما عهدناهاش فيه: “لو بابا كان عايش، كان تبرأ منك ومن تصرفك الرخيص ده.. تعليقك لشهادتك واستعلاءك على الناس مش هينفعك لما تكتشفي إنك بقيتي لوحدك.. امشي يا هانم وركزي في كليتك عشان تشبعي بيها.”

البيت بقى فاضي وموحش، وأنا وبنتي بقينا نقعد قصاد بعض في الصالة المكركبة ندمانين على لحظة استعلاء وكبر، كسرنا بيها قلب بنت يتيمة وأمها الشريفة، فخسرنا قصادها السند الوحيد اللي كان مالك علينا دنيتنا.

بعد ما كل الأبواب اتسدت في وشنا، وأحمد بقى يهرب مننا وزي ما يكون بنطهره باللمس، ما بقاش قدامي أنا وبنتي غير حل واحد.. الحل اللي كنا بنهرب منه ونعتبره يقل من هيبتنا، بس الشوق لأحمد والندم اللي أكل قلوبنا خلانا ندوس على كبرياءنا المزيف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *