ابني حب بنت
مرت نص ساعة كانت أتقل من الجبال على الشقة.. الصمت كان بيقطع في المكان، وهاجر واقفة زي الجبل ما بتهتزش، لحد ما أخيرًا سمعنا صوت خطوات سريعة ومندفعة على السلم، وبعدها المفتاح اتلف في الباب ودخل أحمد ونفسه مقطوع والحريرة باينة في عينيه.
أول ما أحمد فتح الباب، عينيه جابت الصالة كلها في ثانية؛ شاف الأطباق وبواقي التورتة المرمية، وشاف هاجر واقفة في النص وشها أصفر وعينيها محمرة من الدموع، وشافني أنا وأخته واقفين قصادها.
اتقدم خطوات سريعة ووشه أصفر من القلق، وقرب من هاجر وسألها بلهفة ونفسه مقطوع:
“فيه إيه يا هاجر؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ وأنتِ إيه اللي جابك دلوقتي ومين اللي زاعلك كده؟”
هاجر بصت له بكسرة عين، بس صوتها طلع متماسك وواضح، وقالت له وهي بتشاور عليا وعلى أخته:
“والدتك كلمتني الصبح يا أحمد، قالت لي تعالي ضروري عشان عايزاكي في موضوع مهم.. جيت فاكرة إن فيه حاجة حلوة، أو إني داخلة بيت أهلي وناسي.. لقيت والدتك بتشاور لي على الصالة والمطبخ وتقول لي افرزي الصالة، امسحي الأرضيات، واغسلي مواعين الخطوبة.. ولما اتصدمت ووقفت مكاني، عايرتني بأمي وقالت لي: ‘هو أنتِ مكنتيش بتروحي مع أمك تسانديها في شغل البيوت؟!'”
أحمد بص لي بصدمة وذهول، حواجبة اتعقدت وعينيه وسعت وهو مش مصدق، والتفت لهاجر بسرعة وكأنه مستني تقوله إنها بتهزر، بس هاجر كملت ونبرتها بتزيد وجع وتحدي:
“وأختك دخلت كملت عليا وقالت لي: ‘لو ماشمرتيش إيديكي ونضفتِ، ماما هتخلي أخويا يفسخ الخطوبة ويرميكي، وما يرضيناش ننسب ناس مش عارفين مقامهم’.. ولما قولت لهم إن أمي ست شريفة وبتشتغل بالحلال عشان تصرف عليا وتخليني هانم وأني بدرس هندسة، والدتك ردت عليا بمنتهى البرود وقالت لي: ‘الواقع بيقول إن دي شغلانتك أنتِ وأمك، ومهما بقيتي مهندسة هتفضلي ابن ناس مش معروفين وهيفضل تنضيف البيوت مجالك اللي متربية عليه’!”
في اللحظة دي، الصمت خيم على المكان بشكل يرعب.. أحمد بص لأمه وأخته بنظرة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده، نظرة فيها خيبة أمل وصدمة زلزلت كيانه.. وشه اتغير ودمه هرب منه، وبص لي وقال بصوت مبشوح ومكسور:
“الكلام ده حصل يا أمي؟! الكلام ده يخرج من بيتك ولخطيبتي اللي أنا اخترتها وشاريها؟!”