ابني حب بنت

حطت شنطتها على الكرسي بإيد ترتعش، وقالت بصوت مكسور …
حطت هاجر شنطتها على الكرسي بإيد ترتعش، وقالت بصوت مكسور ومخنوق بالدموع:
“أنا.. أنا مسحت وساعدت في بيوت كتير مع أمي، وأمي ست شريفة وبتشتغل بالحلال عشان تصرف عليا وتخليني هانم وماحتجش لحد.. بس أنا جيت هنا عشان بحب ابنك، فاكرة إني داخلة بيت هيبقوا أهلي وسندي، مش عشان أتهان وتعايروني بأمي اللي جزمتها تتشال على الراس
رفعت هاجر رأسها بثبات، ومسحت الدمعة اللي على خدها بكبرياء وعينها في عينيا وعين بنتي، ونبرة صوتها اتغيرت تماماً من الانكسار للتحدي والقوة:
“وعلى فكرة.. أمي الشريفة اللي بتتكلموا عنها دي، شقاها وتعبها في بيوت الناس هو اللي خلاني واقفة قصادكم دلوقتي طالبة في كلية الهندسة! أنا بدرس هندسة، وبكرة هخلص واشتغل بشهادتي ويبقى ليا شأني ومكاني.. وعمري، عمري ما أتبرى من شغل أمي أبداً ولا أستعار منه، لأن شغلها الشريف ده هو اللي وصلني للمكانة دي، وهو اللي خلي ابنك يلف ورايا ويترجاني عشان أوافق بيه وينزل يدور على أصلنا وينسبنا!”
الكلمات نزلت عليا وعلى بنتي زي الصاعقة.. الصالة سادها صمت رهيب، وبنتي وقفت مذهولة عينها مفتوحة على آخرها ومش قادرة تنطق بحرف، والغموض والاستعلاء اللي كان على وشها اتقلب لذهول وصدمة.
هاجر ما استنتش ولا لحظة، قربت مسكت شنطتها بثقة، وبصت لي بكرامة وعزة نفس ما شفتهاش في حياتي وقالت:
“عن إذنكم.. البيت اللي ما يحترمش أمي وما يقدرش كرامتي، ما يلزمنيش حتى لو كان فيه روحي.. وابنك لما ييجي، ابقي قوليله يجي يأخد دبلته من إيد أمي الشريفة.”

لفت هاجر ضهرها ومشيت بخطوات ثابتة ناحية الباب، وفتحت الباب وقفلته وراها بهدوء هزّ البيت كله من جوه، وسابتنا واقفين في نص الصالة المكركبة مش عارفين نستوعب الصدمة ولا الحقيقة اللي كشفتها لنا.
بصيت لها بسخرية وابتسامة باردة ارتسمت على وشي، وقربت منها خطوات بطيئة وأنا بربع إيديا وبقولها بنبرة مليانة تهكم:
“بلاش كلام الإنشا والديباجات العاطفية دي يا حبيبتي.. خلينا نتكلم في الواقع! الواقع بيقول إيه؟ الواقع بيقول إن دي شغلانتك أنتِ وأمك، مهما كبرتي أو صغرتي، ومهما خدتي شهادات أو بقيتي مهندسة قد الدنيا.. هتفضلي ابن ناس مش معروفين وهيفضل أصلك وشغلانة أمك معلمين عليكِ، وهيفضل تنضيف البيوت مجالك وتخصصك اللي متربية عليه!”
هاجر وقفت مكانها، ما تهزتش ولا رمش لها جفن، وبصت لي بنظرة حادة وباردة، أعمق بكتير من السخرية اللي في عيني، وقالت لي بثبات يصدم:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *