جواز عرفني
شاورت للأمن اللي واقف على الباب وقولت بصرامة: “خرج الناس دي برة، ومش عايزة أشوف وشهم بيعتب باب المكان هنا تاني.”
طردتهم قدام الكل، ووقفت أتفرج عليهم وهما خارجين يجروا وراهم خيبتهم وعارهم، ساعتها بس حسيت إن روحي رجعتلي بالكامل، وعرفت إن أحسن انتقام مش الأذى، أحسن انتقام إنك تنجح لحد ما يرجعولك راكعين وميطولوش حتى نظرة من عينك.
بعد ما الأمن طردهم برة المحل، وقفت أتابعهم من ورا الواجهة الزجاج الكبيرة. كانوا واقفين في الشارع بيتخانقوا مع بعض، حماتي بتزعق لابنها وسلايفي بيبصوله بغيظ ولوم، وكل واحد فيهم بيرمي الخيبة على التاني. المنظر ده زمان كان ممكن يوجعني، بس اللحظة دي مكنش جواه غير إحساس واحد: الشفقة على ناس كل مقياسهم في الدنيا هو المصلحة والقرش.
رجعت لمكتبي جوة، قعدت على الكرسي وأنا باخد نفسي بهدوء. بصيت للشهادات وفواتير الشغل والتصميمات اللي مالية المكتب، وافتكرت اليوم اللي خرجت فيه بشنطة هدوم قديمة ومكنش معايا تمن تذكرة أتوبيس. الدنيا دارت، والضعيفة اللي كانت بتستخبى في ركن الأوضة عشان متهانش، بقت سيدة أعمال ليها شنة ورنة والكل بيعملها حساب.
الباب خبط، ودخلت “أم بطرس” وهي شايابلي فنجان القهوة اللي متعودة تعملهولي بإيديها، ابتسمت وقالتلي بحنية: “شوفتهم وهما طالعين زي الفراخ المبلولة.. قلبك ارتاح يا بنتي؟”
بصيتلها وابتسمت ابتسامة صافية وقولتلها: “ارتاح من زمان يا خالتي، بس النهاردة حسيت إن الصفحة اتقفلت بجد ومبقاش ليها وجود في حياتي.. مش شايلة منهم غل، بس عمري ما هسمح لحد يرجعني خطوة واحدة لورا.”
قررت بعدها إني أوسع مشروعي، مكنش طموحي يقف عند الأتيليه بس؛ فتحت خط إنتاج لتصميم فساتين الزفاف وبقيت بشغل معايا بنات كتير مروا بظروف صعبة، بنات اتكسروا أو اتظلموا، عشان أعلمهم صنعة تخليهم يقفوا على رجليهم وميتحوجوش لمخلوق ولا يتذلوا عشان لقمة عيش أو حماية مزيفة.
أما أبويا، فكان بيحاول من وقت للتاني يبعت وسايط وناس عشان أرجع أزوره وأصرف عليه، لكن كنت بكتفي إني أبعتله مبلغ شهري يضمنله أكل وعلاج من غير ما أشوف وشه.. مكنتش بعامله بأصله، كنت بعامله بأصلي أنا، بس الحدود اللي بنيتها بيني وبين الماضي بقت حديد ميتكسرش.