جوز بنتي
الفصل الثالث والأخير
وقف الزمان لحظة في أوضة المستشفى. الهدوء اللي خيم بعد كلام الممرضة كان يرعب، كأننا مستنيين طوفان يدخل علينا من الباب.
سارة حاولت تقعد على السرير، بس المحاليل كانت شاداها. مسكت إيدها بسرعة وقلت لها بنبرة صلبة:
“خليكي مكانك يا سارة… مفيش مخلوق يقدر يمس منك شعرة وأنا حية.”
قبل ما أكمل جملتي، الباب اتزق بقوة.
دخلت أم كريم… بس ما كانتش الست المتكبرة اللي بتتباهى بجواهرها وفلوسها. كانت طالعة تجري ووشها متفسخ من الرعب، طرحتها ملخبطة وشعرها الأبيض باين منها، وهدومها متتربة كأنها كانت بتتعارك في الشارع. ووراها كان الظابط ومعاه اثنين عساكر ماسكينها، بس هي كانت بتصرخ زي المجنونة:
“سارة! الحقيني يا سارة! قولي لهم إنك أنتِ اللي أخدتي الذهب! قولي إن أنتِ الليسرقتي خزنة أبوه الله يرحمه! قولي أي حاجة يا سارة عشان يسبوني!”
أنا وقفت قدامها زي السد العالي، رفعت إيدي ووقفتها مكانها قبل ما تقرب من سرير بنتي.
“تسرق إيه يا حرمة أنتِ؟! أنتِ جاية لغاية هنا ومكملة في بجاحتك وكذبك؟! بنتي كانت بين الحياة والموت بسبكب أنتِ وابنك الزبالة، وجاية دلوقتي تتهميها بالسرقة؟!”
الظابط قرب بصرامة ومسك أم كريم من ذراعها، وبصلي وقالي:
“مدام أمينة… لما القوة راحت تفتش شقة الست دي عشان تنفذ أمر النيابة بالقبض عليها، لقينا الشقة متكركبة على الآخر، وتفتيش الغرف كشف عن حاجة ألعن وأضل من مجرد الشروع في قتل.”
سارة بصت للظابط بعيون متوسعة وقالت بصوت متهدج:
“حاجة إيه يا فندم؟”
الظابط طلع من جيبه كيس بلاستيك شفاف كبير، كان جواه دفتر شيكات، أوراق رسمية، ومجموعة من الأختام، بالإضافة لكيس أسود صغير تقيل.
الظابط كمل كلامه ونظراته مثبتة على أم كريم اللي كانت بترتعش:
“لقينا في خزنة الست دي أوراق مزورة لبيع فيلا المرحوم جوزك، وأوراق نقل ملكية أسهم الشركة باسم كريم بتوقيع مزور منك يا سارة! ومش بس كده… لقينا جوه الكيس الأسود ده عقود زواج عرفي لكريم من ثلاث ستات غيرك، وشبكة ذهب وألماس يقدّر سعرها بملايين… اتضح إنها حصيلة سرقات ونصب كريم وأمه كانوا بيعملوها على ستات كبار في السن ومطلقات بعد ما كريم يضحك عليهم ويتجوزهم عرفي!”
الصدمة كانت أكبر من أن عقل يستوعبها!
سارة حطت إيدها على بوقها وشها بقى أبيض زي الطباشير. أما أنا، فبقيت بصالهم ومش مصدقة إن البني آدمين دول كانوا عايشين معانا، وياكلوا في بيتنا، ويتظاهروا بالتقوى والأخلاق!
أم كريم صرخت بنشيج:
“كذب! والله كذب! كريم ابني مظلوم! ندى هي اللي زقتنا! ندى هي اللي قالت لنا إن سارة كاشفة موضوع السرقات وموضوع الأسهم، وقالت لنا لو سارة عاشت هتودينا كلنا في داهية! ندى هي اللي جابت المادة المخدرة وحطتها في العصير!”
الظابط ضحك بسخرية مريرة وقال:
“كلكم بتلبسوا في بعض لما المشنقة قربت من رقابكم! ندى في القسم دلوقتي بتعترف بتفاصيل ألعن… وقالت إنكم كنتم ناوين تتخلصوا من سارة ومن البنت عشان تكوشوا على الورث بالكامل قبل ما الموعد المحدد لكشف الحسابات السنوية للشركة ييجي وسارة تكتشف إن حساباتها اتصفرت!”
في اللحظة دي، دخل الدكتور الأخصائي المسئول عن حالة ليان، وشه كان مطمن شوية. بص لسارة وقال:
“يا مدام سارة… ليان عصبها قوي والحمد لله جسمها استجاب للعلاج والمحاليل، ونسبة الأوكسجين رجعت طبيعية. أسبوع واحد في الحضانة للاطمئنان وتقدروا تطلعوا بيها.”
سارة أول ما سمعت الخبر ده، انفجرت في العياط… بس المرة دي كانت دموع الراحة والاستعانة بالله. رفعت إيديها للسما وقالت:
“الحمد لله يا رب… الحمد لله إنك نجيت بنتي من بين أنياب الكلاب دول.”
الظابط بص للعساكر وقال بنبرة حاسمة:
” خدوها على القسم، وانضموا لباقي المتهمين. النيابة مستنياهم كلهم صباح بكرة.”
أم كريم وهي بتتجر على بره، كانت بتصرخ وبتبص لسارة بتوسل:
“سامحيني يا سارة! عشان خاطر كريم! عشان خاطر بنتك ما تترباش وأبوها في السجن!”
سارة بصت لها بعيون مفيهاش نقطة رحمة، وقالت لها بنبرة جافة كالحديد:
“أبوها؟ أبوها اللي سابها تسيح في الحر وهي عندها 3 أسابيع عشان الفلوس والنسوان؟ بنتي ملهاش أب… بنتي أبوها مات يوم ما قفل باب العربية وسابنا نموت. اطلعي بره وخدي عقابك في الدنيا قبل الآخرة!”
اتسحبت أم كريم، والأوضة رجعت هادية تاني.
مرت الأيام والشهور… وكانت المحاكمة ق\ضية رأي عام هزت المجتمع كله.
كاميرا الجراج المخفية اللي سابها المرحوم جوزي كانت هي القول الفصل والدليل الدامغ اللي مفيش محامي قدر يشكك فيه. الفيديوهات، والتسجيلات الصوتية، وتقرير الطب الشرعي عن المادة المخدرة، وأوراق التزوير والسرقة… كل ده حاصر كريم وأمه وندى في زاوية مفيش منها خروج.
في جلسة النطق بالحكم، كنت قاعدة في القاعة وجنبي سارة، وهي شايلة ليان اللي كانت كبرت وبقت زي القمر، عيونها بتلمع بالأمل.
القاضي اعتلى المنصة، وبعد مقدمة هزت أركان القاعة عن انعدام الرحمة والأمانة في قلوب البشر، نطق بالحكم:
“حكمت المحكمة حضورياً على كل من:
* كريم… بالسجن المؤبد عما أسند إليه من اتهامات الشروع في القتل العمد وتزوير أوراق رسمية والسرقة.
* الست إلهام (أم كريم)… بالسجن المشدد لمدة 15 سنة لمشاركتها وتخطيطها في الجري\مة.
* ندى… بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات لكتمانها الشهادة والمشاركة في التخطيط والشروع في الق\تل.”
أول ما القاضي ضرب بالشاكوش، صرخات الفرحة والارتياح طلعت مننا، بينما كريم وأمه وقدموا في القفص يصرخوا ويعيطوا، بس صرخاتهم كانت زي صدى الصوت في بير مهجور… محدش كان فارق معاه ولا حد رحمهم.
خرجنا من المحكمة للشمس والهوا النضيف. سارة بصت للسما وهي حاطة إيدها على حفيدتي ليان، وتنفسنا عميق.
بصتلي سارة وابتسمت ابتسامة صافية بعد طول عذاب، وقالتلي:
“عارفة يا ماما… الشمس اللي كانت هتقتلنا في اليوم ده… هي نفس الشمس اللي نورت لنا الحقيقة النهارده.”
مسكت إيدها وقلت لها وأنا بحضنهم هما الاثنين:
“ربك ما بيبسبش حق حد يا بنتي… وأبوكي الله يرحمه ساب لنا حمايته وبركته حتى وهو تحت التراب. من النهارده… مفيش خوف، ومفيش سر متداري. هنبدأ حياتنا من جديد، ونربي ليان في بيت مليان حب وأمان.”
مشين في طريقنا، وكأن الكابوس انتهى للأبد، واتفتحت صفحة جديدة مفيهاش خيانة… مفيهاش غير العدل والرحمة.