جوزي

ـ “إيه يا شريف؟ أنت فين يا حبيبي؟ طمني عليك، أصلك وحشتني والعيال يسألوا عليك.”
سمعت نفخته العصبية من ورا التليفون، ونبرة القرف اللي متعود عليها وهو بيتصنع المشغولية:
ـ “أنا في شغل يا إلفت، قايلك مسافر وشغال!! أنتِ ما بتشبعيش زن ورغي؟ اقفلي دلوقتي ولما أفضى هبقى أكلمك.. وخليكي عندك عند أمك يومين كمان مش فاضيلك!”
قفلت معاه وأنا بضحك من قلبي.. ياه على الغفلة! هو فاكر إنه بيربيني وبيقرفني عشان أنا اللي أطلب الطلاق وأتنازل، ومش دريان إن محضر المحكمة كان خلاص في طريقه لعنوان شقة أمه وشغله بإنذار تسليم المنقولات وقضايا النفقات!
بعد أسبوع بالتمام، كانت القنبلة فرقعت.
تليفوني رن، ولما بصيت لقيت اسمه بيتحرك على الشاشة زي الصرصار المذعور. سبته يرن مرة واتنين وتلاتة، وفي الرابعة رديت ببرود قاتل:
ـ “ألو.. خير يا شريف؟”
صوته جالي زي المجنون، بيهرج وبيصرخ، التنفس عنده مقطوع والغل طالع من بين سنانه:
ـ “أنتِ عملتي إيه يا فاجرة؟! أنتِ باعتالي إنذار تسليم قائمة منقولات ورافعة قضايا نفقة وبدل مسكن وحضانة ومستصدرة أحكام على شغلي؟! أنتِ اتجننتي ولا جرى لمخك حاجة؟!”
رديت بكل هدوء الدنيا، وأنا باخد بق قهوة:
ـ “الله! مش ده حق أولادك وحقي المادي يا شريف؟ أنت مش كنت خايف ألبسك في حيطة وأخد منك القائمة والمؤخر والنفقة المتلتلة؟ أنا قلت أختصر عليك الطريق وأريحك من القلق، وأخلي المحكمة هي اللي تحسبها بالورقة والقلم.. بالقرش والدقيقة!”
السكوت خيم على الخط ثواني.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. أدرك في لحظة إن كل حرف قاله وهو ماسك إيد “ست الحسن” في الضلمة، أنا كنت واقفة ورا الباب وسمعاه!
صوته اتقطع، ونبرته تحولت من الصراخ للذهول والخوف:
ـ “أنتِ.. أنتِ عرفتي منين؟ أنتِ كنتِ…”

قاطعته بنبرة حادة زي الموس:
ـ “كنت ورا الباب الموارب يا شريف.. سمعت كل كلمة، وشفيت عيني بدلعك وضحكتك اللي عمرك ما ضحكتها في بيتي. سمعت حساباتك المادية وخوفك على قرشينك عشان تدلع بيهم الهانم نادين.. وسمعت خطتك أنت وأمك عشان تطفشوني. بس أنا بقا مش هسيبك، ولا هسيب فتفوتة واحدة من حق عيالي.. العفش اللي في بيتنا هتدخل تسلمهولي بالورقة والقلم، لو حتة ناقصة أو مكسورة هلبسك قض\ية تبديد وأحبسك.. ومرتبك هيتخصم منه نفقات وأجر مسكن قبل ما يدخل جيبك جنيه واحد تدلع بيه الهانم!”
بدأ يتلعثم ويحاول يهدى ويصلح اللي اتكسر بلهفة ميتة:
ـ “إلفت.. استهدي بالله بس، نفهم.. والله أنتِ فاهمة غلط، نادين دي..”
ـ “نادين دي اللي هتقعد معاك على البلاط يا شريف!” صرخت فيها بصلابة هزت سماعة التليفون: “وريني بقى يا ابن المحظوظة هتجيب منين تدلع أميرة قلبك وترضي غرورك وأنت مديون ومتهدد بالحبس ومطلوب منك أجر مسكن ونفقات بالآلاف كل شهر!”
قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة..
وفي خلال شهور قليلة، كانت اللعبة انقلبت رأساً على عقب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *