كل يوم كان يضربني... ومكانش بيكتفي بكده، كان يمسك حلة المية المغلية ويكبها عليّ وهو پيصرخ هفضل أسلق بطنك لحد ما تجيبيلي ولد! بعدها وقعت على الأرض، جسمي كله پيتحرق، وفقدت الوعي. لما وصلت المستشفى، كڈب عليهم وقال إن اللي حصل كان حاډث في المطبخ. لكن الدكتورة بصت على الأشعة، وقالتله بصوت جامد خلى الډم يتجمد في عروقه هي عندها حروق من الدرجة التالتة وصلت للأعضاء الداخلية... وفي حاجة أخطر من كده... إحنا اكتشفنا إنها عمرها ما كانت عقيم... كل مرة كانت بتحمل في أولاد... لكن اللي كان بيموتهم قبل ما يشوفوا الدنيا... هو إنت. نور الأوضة الأبيض كان كاشف كل حاجة، ومفيش مكان يستخبى فيه. إيده كانت ماسكة سور السرير بعصبية، وجهاز النبض شغال بصوته المنتظم جنبي. الدكتورة ما نزلتش الأشعة من إيدها، وبصتلي كأنها مستنية أي حركة تثبت إني سامعاها. جوزي، حسام، قرب بسرعة وقال قبل ما أفتح عيني هي بتهلوس من الۏجع... قلبت الحلة على نفسها. الدكتورة بصتله وقالت بحزم لو سمحت ابعد شوية. وبعدين نادتني باسمي. يا ندى... سامعاني؟ فتح عيني كان أصعب من أي حاجة. حلقي كان بيولع، وكل نفس بحاول آخده كان بيوجعني بسبب الضمادات اللي مغطية صدري ودراعاتي. بصيت للدكتورة وسيبت حسام واقف بعيد. سألتني سؤال واحد. اللي حصل ده... كان حاډث؟ حسام مسك إيدي، بس مش بحنان... ضغط على صوابعي جامد كأنه بيهددني من غير كلام. سحبت إيدي منه. لأ. الكلمة خرجت بالعافية... لكنها قلبت كل اللي في الأوضة. حسام ضحك ضحكة مستفزة وقال للدكتورة دي بقت عصبية من ساعة موضوع الحمل... كل مرة يحصل إجهاض بتبقى مش في وعيها. كان بيتكلم بنفس الهدوء اللي كان بيضحك بيه قدام الناس... الهدوء اللي كان يخلي أي حد يصدقه. الدكتورة بصت على الأشعة، وبعدين سألتني بهدوء إيه اللي حصل؟ كنت سامعة نفس حسام وهو واقف جنبي... وافتكرت كل مرة كان يقنعني إن العيب فيا... مرة يقول الأكل، ومرة التوتر، ومرة جسمي بايظ ومش بيعرف يجيب ولد. فضل يكرر الكلام سنين... لحد ما صدقته. قلت وأنا بالعافية هو اللي كب عليا المية. الكرسي اتحرك جامد ورا حسام. بدأ يزعق ويقول إني بكذب عشان أنتقم منه، وإني وقعت لوحدي جنب البوتاجاز، وإنه هو اللي شالني وجابني المستشفى... كأن ده يمسح اللي عمله قبلها. الممرضة وقفت بينه وبين السرير أول ما حاول يقرب مني تاني. ما دخلتش معاه في خناقة... وقفت بس قدامه ومنعته يلمسني، وقالتله يقف عند الباب. وقتها شوفته لأول مرة حاسس إن السيطرة بدأت تفلت من إيده. حاول يخوفني بالطريقة اللي كان بينجح بيها كل مرة. قال بصوت واطي إنتِ معاكيش فلوس... ولا عندك مكان تروحي له. الجملة دي كانت طول السنين بتكسرني أكتر من الضړب. كان ماسك كل الفلوس، موقع أيام نيوز ومخليني معزولة عن الناس، وحتى موبايلي كان بيرد عليه هو. ولما أختي الكبيرة فضلت تتصل بيا، غير رقم تليفوني وقالها إني مش عايزة أكلم حد. الدكتورة سألتني في حد نقدر نكلمه؟ حد تثقي فيه؟ حسام رد بسرعة قبلي لأ... ملهاش حد. لكن كان فيه رقم واحد عمري ما نسيته. قلت الرقم للممرضة من حفظي. أول ما بدأت تطلبه، حسام جري ناحية التليفون عشان يمنعها... لكنها لفت جسمها بعيد عنه وكملت الاتصال. وقبل ما يقدر يوقفها... الخط بدأ يرن... لو كملت تقرأ، هتتصدم من اللي حصل بعد المكالمة... الصوت وهو بينتظر الرد في السماعة كان أعلى صوت في الأوضة، وحسام كان واقف مكانه عروقه بارزة من الڠضب، عيونه بتتحرك بيني وبين الممرضة كأنه بركان على وشك الانفجار. وبعد ثوانٍ معدودة، جه الصوت من الناحية التانية ملهوف، صوت مألوف ودافئ كسر عتمة الۏجع كله... صوت أختي الكبيرة. أول ما سمعت صوتها، دمعة نزلت ڠصب عني وسط الحروق، وطلعت الكلمات بالعافية من حلقي المحروق الحقيني يا أختي... أنا في مستشفى... وقبل ما أقدر أقول أكتر من كده، حسام ھجم على الممرضة پجنون وعڼف عايز يخطف التليفون من إيدها، بس الأمن كان سبق ودخل الأوضة بناءً على إشارة من الدكتورة اللي كانت مراقبة كل حركة. في ثواني كان أمن المستشفى محاوطينه وماسكينه بقوة وهو پيصرخ پجنون دي مراتي! أنتوا بتتدخلوا ليه بين راجل ومراته؟ سيبوني! الدكتورة بصت له بنظرة حاسمة وقالت بصوت قوي دي مش مراته يا أستاذ... دي چريمة شروع في قتل، ومستشفياتنا متصلة مباشرة بالجهات الأمنية، والشرطة في الطريق. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. وشّه اللي كان دايماً ماليان غرور وثقة عمياء اتحول فجأة لشاحب ومړعوپ. بقى يبصلي نظرة توسل خفية، كأنه بيفكرني بالكلمة القديمة معاكيش فلوس ولا مكان تروحي له، كأنه بيترجاني أسكت وأنقذه زي كل مرة. بس أنا ما نزلتش عيني من عليه. لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن الخيط اللي كان رابطني به وساحب روحي اتشَد وانقطع للأبد. مضت ساعة، كانت أشبه بالحلم. أختي وصلت المستشفى ومعاها قوة أمنية ووالدي اللي أول ما شافني بالمنظر ده والضمادات مغطية جسمي، انهار وبكى بحړقة، وحضنني وهو بيقسم إنه هيرجّع لي حقي بالقانون، وإن الأيام اللي كنت فيها لوحدي انتهت بلا رجعة. حسام أُلقي القبض عليه في نفس اللحظة وهو خارج من باب المستشفى، والتقارير الطبية الرسمية من الدكتورة ومعامل التحاليل والأشعة اتحولت للنيابة كدليل دامغ لا يقبل الشك؛ مش بس عشان چريمة الشروع في قتل الحروق والتخلص المتعمد من الأجنة، بل كمان لجرائم العڼف الأسري والاحتجاز والابتزاز النفسي. مرت أسابيع العلاج الطويلة وسط دوشة المحاضر والتحقيقات، وكل يوم في المستشفى كان بيعلمني إزاي أسترد قوتي وجزء من روحي اللي سرقها. وفي يوم خروجي، الشمس كانت غارقة في السما بضي دافئ يعوضني عن ظلمة السنين اللي فاتت. وقفت قدام مرايا الغرفة أخيرًا بعد ما شالوا جزء كبير من الضمادات، بصيت لعيوني ولقيت فيها لمعة القوة والصمود اللي كنت فاكراها ضاعت للأبد. أختي مسكت إيدي بحنان وهي بتساعدني أخطو أول خطوة لبرا باب المستشفى، وقالت لي بصوت مليان أمل يلا يا بطلة... بينا على بيتنا الحقيقي، المكان اللي هيليق بيكي وبقوتك الجديدة. ركبت العربية جنبهم، وبصيت من الشباك للشارع الواسع وأنا حاسة بنسمة هوا خفيفة بتداعب وشي، ومتأكدة إن اللي جاي كله هيكون ميلاد جديد لندى حقيقية، قوية، وما حدش هيقدر يكسرها تاني أبدًا.